* التداول محفوف بالمخاطر. أموالك معرضة للخطر.
في مطلع عام 2026، بدت فرضية التداول على زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) واضحة وجلية كما ينبغي لأي تحليل اقتصاد كلي أن يكون؛
فبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد خفض سعر الفائدة ثلاث مرات، في حين توقف البنك المركزي الأوروبي عن الخفض ومستمر في تثبيت سعر الفائدة منذ يونيو 2025. وكما هو معروف في عالم الاستثمار أن رؤوس الأموال تلهث دائمًا وراء العائد الأعلى، وقد كانت الفجوة بين الفائدتين في مصلحة اليورو، وأجمعت المؤسسات المالية الكبرى، مثل Goldman Sachs وING وBNP Paribas وMUFG على نفس الاتجاه.
ثم جاء عام 2026 بمفاجآته المدوية!
فقد أدت الحرب في منطقة الشرق الأوسط إلى قفزة هائلة في أسعار النفط تجاوزت 80%. ونتيجة لذلك، فإن التضخم في منطقة اليورو — الذي انخفض لفترة وجيزة دون المستوى المستهدف للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2% في يناير — ارتد عاكسًا مساره للأعلى بشكل حاد. كما أن الأسواق التي كانت تتوقع "تخفيضات" في سعر الفائدة من البنك المركزي الأوروبي في بداية العام، أصبحت الآن تتوقع "زيادات" في سعر الفائدة. وفي غضون ذلك، أبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة دون تغيير لثلاثة اجتماعات متتالية، مما أوقف دورة خفض أسعار الفائدة الأمريكية التي كان من المفترض أن تكون الوقود المحرك لقوة اليورو.
وهذا لا يعني أن المنطق القائم على "الفروق بين أسعار الفائدة" قد انهار، ولكنه خضع لاختبار قاسٍ من النوع الذي دأب هذا النوع من التحليلات على الاستهانة به؛ ونعني بذلك التطورات الجيوسياسية التي تعيد كتابة آفاق السياسة النقدية بسرعة تعجز نماذج البنوك المركزية عن ملاحقتها.
وبناءً على ذلك، يقوم هذا التحليل لزوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) على فكرة "الفروق بين أسعار الفائدة"، لكونها تظل المحرك الهيكلي الأهم على أي أفق زمني متوسط المدى.
لكنه يأتي مصحوبًا بتحذيرات أغفلتها إلى حد كبير التوقعات التي كانت في بداية العام: فالتوقف المؤقت لبنك الاحتياطي الفيدرالي عن خفض سعر الفائدة (بل واحتمالية رفعها) بات أمرًا واقعًا. كما أن مخاطر رفع البنك المركزي الأوروبي لسعر الفائدة هي الأخرى مخاطر حقيقية. ويبدو أن تأثير التطورات الجيوسياسية سيرافقنا لفترة ليست بالقصيرة. أي أن المنطق لا يزال صحيحًا. ولكنه يحتاج الآن إلى حذر شديد وإمساك بزمام الأمور بكلتا اليدين.
في عام 2025، خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة ثلاث مرات ليصل بنطاقها المستهدف إلى 3.50% – 3.75%. البنك المركزي الأوروبي يثبت سعر الفائدة منذ يونيو 2025.
يقدر بنك Goldman Sachs أن تضييق الفارق في سعر الفائدة بين الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي بمقدار 50 نقطة أساس يضيف ما بين 300 إلى 400 نقطة لزوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD).
يتوقع بنك ING ارتفاع القيمة العادلة لزوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD). من 1.15 لتقترب من 1.20 خلال عام 2026. يشير كل من BNP Paribas Wealth Management وMUFG إلى نفس المحرك الأساسي.
من المتوقع أن يرفع المركزي الأوروبي سعر الفائدة مرتين على الأقل خلال عام 2026 وسط التضخم الناتج عن تداعيات الصراعات السياسية، بينما من المتوقع أن يظل الاحتياطي الفيدرالي متفرجًا ومكتوف الأيدي حتى ديسمبر 2026.
حسنًا، سألخص لك الأمر سريعًا. لماذا تتنبأ الفروق بين أسعار الفائدة بحركة الأسعار؟
تتدفق الأموال دائمًا نحو أعلى عائد معدل حسب المخاطر. صحيح أن الحركة قد لا تسير دائمًا في خط مستقيم، ولكن على أي أفق زمني متوسط المدى ستجد أن رؤوس الأموال المؤسسية تلهث وراء العائد.
وحتى أكون أكثر دقة؛ فأنا أتحدث هنا عن الفروق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل، أي النطاق المستهدف لأسعار الفائدة الفيدرالية [Fed funds target range] والذي يسجل حاليًا 3.50% إلى 3.75%، مقابل سعر فائدة مرفق الإيداع للمركزي الأوروبي [Deposit Facility Rate] المثبت عند مستوى 2.50% منذ يونيو 2025. هذا هو سعر الفائدة الذي تراقبه المحافظ النقدية الضخمة ذات التريليونات الدولارات لاتخاذ قرارات تمديد المراكز لفترات تتراوح بين 0 إلى 12 شهرًا. الفروق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل هي المحرك الأساسي لعمليات تجارة المناقلة (carry trade) في سوق الفوركس. أما الفروق بين أسعار فائدة السندات طويلة الأجل فلا تؤثر.
عند خفض الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة، ينخفض العائد المقوم بالدولار؛ فيعيد مديرو المحافظ العالمية توازن استثماراتهم بالاتجاه نحو الأصول المقومة باليورو، ليس لأن أوروبا تبدو رائعة ولكن لأن حسابات العائد النسبي قد تغيرت. وهذا الطلب هو ما يدفع سعر زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) للارتفاع.
حدد بنك Goldman Sachs هذه العلاقة بشكل كمي مستنتجًا أمورًا دقيقة وبالغة الأهمية؛ حيث تشير أبحاث البنك إلى أن كل تضييق مقداره 50 نقطة أساس في الفرق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل لكل من الاحتياطي الفيدرالي والأوروبي يضيف من 300 إلى 400 نقطة لزوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD). وصحيح أن هذا المتوسط مفيد، ولكن التأثير ليس ثابتًا بشكل خطي.
فعند المستوى الحالي لنطاق أسعار الفائدة الفيدرالية [Fed funds target range]وهو من 3.50% إلى 3.75%، فإن كل خفض بمقدار 50 نقطة أساس يقلل عوائد الدولار بنسبة تقارب 7%، وهو تأثير نسبي أكبر مما كان عليه الحال عندما كان سعر الفائدة فوق 5%. وبالتالي فإن التضييق القادم للفرق في سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس سيكون تأثيره الصعودي أكبر على الأرجح مما أضافه التضييق السابق بمقدار 50 نقطة أساس. ومع اقتراب سعر الفائدة من مستوى 2.5%، فإن الحد الأدنى المحايد للمركزي الأوروبي سيخلق سلوكًا تقاربيًا.
وبناءً على ذلك، فإذا كنت تعرف اتجاه الفروق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وفهمت أن تأثيرها السعري يتسارع كلما زاد الاحتياطي الفيدرالي في تيسير سياسته النقدية، فأنت الآن تمتلك إطارًا عمليًا معايرًا وغير خطي (أي أنك تمتلك منطقًا تحليليًا دقيقًا لا يعرف الجمود). صحيح أن ذلك لا يمنحك ضمانًا مطلقًا ولكنه يوفر لك توقعات مدروسة.
قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض سعر الفائدة ثلاث مرات في أواخر عام 2025، ليصبح النطاق المستهدف لأسعار الفائدة الفيدرالية [Fed funds target range] من 3.50% إلى 3.75%. ولكن دورة الخفض هذه توقفت منذ ذلك الحين. فقد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في ثلاث اجتماعات متتالية في 2026 (في يناير ومارس وأبريل)، في وقت يحاول فيه واضعو السياسات التعامل مع مشهد تضخم أكثر تعقيدًا مما توقعته الأسواق في نهاية العام الماضي.
ومع ارتفاع أسعار النفط وإشارة بعض أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) إلى أن المبررات قد تدعو لرفع سعر الفائدة مجددًا إذا استمر التضخم، فإن الموقف التيسيري الذي كان يُعتقد أنه المرجعية الأساسية لعام 2026 قد تحول إلى ما يشبه فترة الترقب والانتظار. كما أن الأسواق حاليًا لا تتوقع أي تخفيضات جديدة في سعر الفائدة في المدى القريب.
وفي المقابل، تبدل موقف البنك المركزي الأوروبي بشكل جوهري، ولكن في اتجاه معاكس تمامًا لتوقعات معظم المحللين. فقد قام البنك بخفض سعر الفائدة ثماني مرات خلال الفترة من يونيو 2024 إلى يونيو 2025، دافعًا بسعر فائدة مرفق الإيداع [Deposit Facility Rate] إلى الانخفاض من 4% إلى 2%، وهو المستوى الذي يراه معظم الاقتصاديين قريبًا من النطاق المحايد. وقد استقر سعر الفائدة عند هذا المستوى منذ ذلك الحين. ولكن البنك المركزي الأوروبي لم يعد مجرد مراقب في نمط تثبيت هادئ؛ فاندلاع الصراع في الشرق الأوسط في أواخر فبراير دفع أسعار النفط للارتفاع بأكثر من 50%، مما عكس اتجاه التضخم الذي كان قد انخفض لفترة وجيزة إلى أقل من مستوى 2% المستهدف، وأجبر صناع القرار في فرانكفورت (مقر المركزي الأوروبي) على إعادة التقييم. ويذكر أن مؤشر أسعار المستهلكين الكلي في منطقة اليورو قد سجل 3.0% في أبريل.
وتتوقع الأسواق الآن احتمالية بنسبة 85% لرفع سعر الفائدة من جانب المركزي الأوروبي بمقدار 25 نقطة أساس لمرتين على الأقل بحلول ديسمبر 2026، وهو تحول كلي عن التخفيضات التي كانت تتوقعها الأسواق قبل أشهر قليلة فقط.
صحيح أن كلا البنكين المركزيين الآن في مرحلة تثبيت لسعر الفائدة؛ إلا أن خطوة الاحتياطي الفيدرالي القادمة يكتنفها غموض حقيقي، بينما المركزي الأوروبي — بدلاً من الانتظار السلبي لحين خفض الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة — قد يبادر أولاً بالتحرك، وربما في اتجاه تشديد السياسة النقدية.
وهذا التباين بين البنكين المركزيين لم يختفِ، لكنه أصبح أكثر تعقيدًا بشكل ملحوظ. وهذا يغير كيفية تعاملك مع منطق الفروق بين أسعار الفائدة، ليس كصفقة آلية باتجاه معلوم، بل كمتغير حي يتطلب مراقبة نشطة لكلا طرفي المعادلة في آن واحد.
الفروق بين أسعار الفائدة هي متغيرات حية وليست ثوابت دائمة. وهناك سيناريوهان يمكنهما تقليص الفجوة، ويستحق كلاهما وضعه في الحسبان قبل التداول.
السيناريو الأول هو تثبيت الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة بشكل مؤقت أو احتمالية رفع الفائدة. إذا جاءت بيانات التوظيف الأمريكية قوية خلال الربع الثاني من عام 2026، أو إذا عاود التضخم الأساسي الارتفاع، فإن دورة خفض سعر الفائدة قد تتوقف تمامًا.
ومن الجدير بالذكر أن الأسواق تسعر حاليًا احتمالات رفع الفائدة، الأمر الذي قد يعيد تسعير زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) بسرعة تفوق أي مستويات دعم فني، وهو الخطر الأعلى احتمالية في هذه القائمة. وهذا السيناريو من المرجح أن يكون داعمًا بشدة للدولار الأمريكي.
السيناريو الثاني هو خفض البنك المركزي الأوروبي لسعر الفائدة. إذا تدهور النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل ملموس، أو إذا سجل التضخم أرقامًا أقل من 2% باستمرار، فقد يتحول البنك في فرانكفورت إلى تيسير السياسة النقدية ويضيق الفارق من الطرف الآخر، وإن كان هذا السيناريو مستبعدًا حاليًا في ظل التضخم الناجم عن تداعيات الصراعات السياسية.
لم يتحقق أي من السيناريوهين بشكل كامل حتى الآن. إلا أن المنهج التحليلي لا يتغير في الحالتين بعض النظر عن تحققهما على أرض الواقع من عدمه وهو: اتبع الفروق بين أسعار الفائدة، ولا تراقب زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) بمعزل عنها. راقب منحنى العقود الآجلة لأسعار الفائدة الفيدرالية (Fed funds futures) لبنك الاحتياطي الفيدرالي، وراقب توقعات سعر فائدة مرفق الإيداع (Deposit Facility Rate) للبنك المركزي الأوروبي.
لا يتطلب تحليل زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD) في عام 2026 التنبؤ بالتطورات الجيوسياسية، أو قراءة استطلاعات المعنويات، أو البحث عن أنماط على الرسم البياني اليومي. وإنما كل ما يتطلبه الأمر هو معرفة ما هو وضع الفروق بين أسعار الفائدة وإلى أين تتجه، لأن كل شيء آخر يأتي كنتيجة لذلك.
الاحتياطي الفيدرالي قام بخفض سعر الفائدة، والمركزي الأوروبي قام بتثبيتها؛ فانفتحت الفجوة، وتدفقت رؤوس الأموال لاهثة خلف العائد الأعلى. بنك ING لديه مستهدف للقيمة العادلة، وبنك Goldman Sachs لديه تقدير دقيق لعدد النقاط التي يتحرك بها الزوج مقابل كل نقطة أساس يتغير بها الفرق في سعر الفائدة بين البنكين المركزيين. ويقف بنك BNP Paribas ومعه MUFG في نفس المعسكر. وختامًا يمكن القول إن العلاقة القائمة على أن "الاختلاف في السياسات النقدية يقود التدفقات الرأسمالية التي تقود بدورها حركة الأسعار" قد أثبتت صحتها وصمودها خلال كل اختلاف رئيسي في السياسات النقدية على مدار الثلاثين عامًا الماضية، وها هي تثبت صحتها الآن أيضًا.
إذا كنت تبحث عن قراءة تحليلية واضحة وشاملة عن زوج يورو/دولار أمريكي (EURUSD)، فهذا المقال هو الأوضح على الإطلاق.